افغانستان : نهاية الاحتلال وأفق غامض

افغانستان : نهاية الاحتلال وأفق غامض

 

تهاوت المدن الافغانية الكبرى الواحدة تلو الاخرى امام هجوم طالبان ، مع اول خطوة من الانسحاب الاميركي والاطلسي من بلاد الافغان ، وحلت لحظة الحقيقة ، واطاحت طالبان بكل التحليلات القائلة بعدم النية او القدرة على دخول كابل ، بما فيها تصريح الناطق باسم الحركة ذبيح الله بان لا نية لاحتلال العاصمة حاليا.

حتى قبيل ساعات من الحدث التحولي، لم يضع اي من محللي البنتاغون او المقربين من مركز القرار الاميركي  ، وحتى غالبية الخصوم ، الاحتمال الامر ، وهو دخول كابل على حصان ابيض ، وصبت غالبية التوقعات الاقرب الى التنجيم ، بأن لا يكون هدف طالبان الاستيلاء على كابل ، وربما يريد الطالبانيون ، تحقيق تفوق استراتيجي، ثم العودة إلى المفاوضات وتقديم تنازلات، متظاهرين بأنهم يقدمون عليها تحت تأثير المجتمع الدولي.

دخلت حركة “طالبان” العاصمة الأفغانية كابل دون مواجهة أي مقاومة تذكر، في اعقاب تهاوي الولايات الاخرى المهمة ، واستسلام القادة الامنيين  والعسكريين ، ولا سيما بعد انهيار  قاعدة “باغرام” –  الرمز  الاسود والاكبر – لوجود الاحتلال الاميركي والاطلسي، واستسلام من فيها ، بالتوازي مع اعلان “طالبان” أنها لا تريد اقتحام كابل وأن التفاوض جار على إطلاق عملية انتقالية للسلطة، فيما اصدقاء اميركا وعملاؤها ولّوا الادبار، بمن فيهم الرئيس اشرف غني الذي فر الى طاجيكستان . وكذلك مغادرة القيادي العسكري الأفغاني البارز، عبد الرشيد دوستم، بلده إلى أوزبكستان مع مجموعة من العسكريين.

لم يكن قرار غني بالرحيل ومن ثم الاستقالة الا بعد اجتماع و محادثات طارئة مع المبعوث الأمريكي الخاص إلى أفغانستان زلماي خليل زاد ومسؤولين كبار في الناتو، وبحضور وفد ارسلته طالبان إلى القصر الرئاسي في كابل للتفاوض على تسليم السلطة.

اسئلة كثيرة ، طرحت حول الاداء الاميركي مع بدء تقدم طالبان ، ولا سيما تأكيد الادارة الاميركية تكرارا بانها “لن تتخلى عن غني وحكومته ، والى اللازمة الاميركية المعروفة ، اينما حل الاميركيون  المتمثلة بحماية الشعب ، وتجربته الديمقراطية الوليدة”.

بالمقابل اعلن الاميركيون انهم طلبوا من طالبان الا يدخل مقاتلوها كابل الا بعد الانسحاب الاميركيين واخلاء الرعايا ، ومن دون ذكر المتعاونين مع الاحتلال الاميركي طوال عشرين عاما. ويبدو ان طالبان التي باتت غير تلك عند النشأة ، واصبحت براغماتية الى حد بعيد ،اعطت وعودا بعدم التعرض الى البعثات الدبلوماسية، وعلى ما يبدو كمقدمة لنقل السلطة بسلاسة القوة عبر حكومة انتقالية الى حين عودة الملا عبد الغني برادر إلى أفغانستان، من مكانه السري .
ومن الاسئلة المركزية ايضا حول التساقط المتسارع للمدن والجيش الافغاني، ونشوة الانتصارات التي حققتها طالبان ما دفعها بهذه السرعة الى كابل ، اعلان الاميركيين  ان سيطرة طالبان على افغانستان تعني تحولها الى إلى نقطة استقطاب للجماعات “الجهادية”، التي جاءت من العديد من الدول العربية، في اواخر السبعينيات بدعوى قتال السوفيات  وكيف انتشرت أفكار تلك الجماعات في العديد من الدول العربية، وسعت لتغيير ثقافة العديد من المجتمعات، كما دخلت في مواجهات مع أنظمة تلك الدول، من دون تجاهل مسألة اساسية ، ان الولايات المتحدة نقلت المئات من داعش من سوريا والعراق الى افغانستان ، مع انهيار دولة داعش في البلدين ، ويعتبر هؤلاء أن عودة طالبان من جديد، إلى حكم أفغانستان، ربما يحول البلاد من جديد إلى نقطة تجمع، للجماعات المتطرفة والإرهابية، من العديد من الدول العربية.

من المفيد التذكير ان تلك الجماعات التي غذتها ورعتها وسلحتها  الولايات المتحدة لقتال السوفيات لمدة عشر سنوات ، واستقبل رئيس الولايات المتحدة انذاك رونالد ريغن قادة تلك الجماعات في احتفالية كبرى في البيت الابيض  وعلى رأسها جلال الدين حقاني ،عادت وانقلبت الولايات المتحدة عليهم وتحولوا الى اعداء لدودين رغم استمرار التمويل السعودي ، وهذا امر معروف ومعلن ، لتنشب خلافات بين القادة الافغان تحولت الى صراعات دامية عبر تأليب الجماعات على بعضها من جانب المخابرات الاميركية سيما مع مقتل الرئيس الباكستاني ضياء الحق ، الذي عرف بظلام الباطل.
لقد انشأت المخابرات الباكستانية، حركة طالبان (طلاب الشريعة)، لتنتشر بسرعة في افغانستان على انقاض الفصائل المتحاربة، وها هي اليوم تعود على انقاض الدولة الافغانية المتهاوية، مع اعلان انفتاحها على دول الجوار لا سيما باكستان التي كانت وراء نشأتها، وكذلك روسيا والصين حيث جرت محادثات في الدولتين مع وفود طالبانية بموازاة المفاوضات في قطر مع الاميركيين للانسحاب من بلادهم ، كما ان طالبان لا تمانع من علاقات مع ايران وقد حصل تواصل ، الا ان المعضلة مع دول الجوار تبقى مع الهند . وعليه يستوجب السؤال هل تكرر واشنطن سيناريو الاحتراب عبر صنائعها ؟

لا شك ان أكلافا باهظة، دفعتها الولايات المتحدة من احتلالها لافغانستان عبر نحو 150 ألف جندي بذريعة هجوم 11 ايلول، وبلغ الاكلاف المادية  قرابة 2.26 تريليون دولار أميركي. ووفق تقرير لوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في أواخر عام 2020، فإن الكلفة الميدانية بلغت نحو 815.7 مليار دولار.اضافة الى أكثر من 47 ألف قتيل من المدنيين. وما بين 66 ألفا إلى 69 ألفا من العسكريين الأفغان، و2442 من العسكريين الأميركيين و1442 من الدول الحليفة، ونحو 3800 من موظفي شركات الأمن الخاصة الأميركية.

بلا شك ان للفشل الاميركي بعد عشرين عاما من الاحتلال  كلفة سياسية للانسحاب الأميركي، بغض النظر عما اذا كان خطة منسقة لتسليم طالبان ام لا، سيما في مناخ أولويات الصراعات الاستراتيجية التي تكرر واشنطن إن عليها التأهب لها – اي مع الصين وروسيا .

ببساطة تخلت اميركا عن الذين خدموها بدمائهم ، كما تفعل دوما ،وستبقى كذلك ، ما دام الفكر الاستعماري الاستكباري هو المسير في القتل عبر القوة العسكرية والامنية والاقتصادية .

ولذلك من حيث تدري او لا تدري “توجد عوامل، مثل العواقب غير المتوقعة وتلك غير المرغوبة”تحدث ،وهذا غالبا ما يحدث في التاريخ.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: